Skip to main content

هل أعاد الذكاء الاصطناعي إحياء نظرية التناص؟

Mabkhoot Alezzi
Mabkhoot Alezzi
Author
    كلما ظهر تحول معرفي كبير، أعاد ترتيب خرائط الفكر والنقد. وقد يبدو الذكاء الاصطناعي للوهلة الأولى مجرد ثورة تقنية، لكنه إلى جانب ذلك تحول معرفي كبير في الحقيقة.
على مستوى النقد يفرض علينا إعادة النظر في واحدة من أهم النظريات التي عرفها النقد الأدبي في القرن العشرين، وهي نظرية التناص.
    حين صاغت جوليا كريستيفا مفهوم التناص، مستلهمة فلسفة الحوارية عند باختين، كانت الفكرة ثورية في زمانها وتحولا نوعيا في مسار النقد؛ إذ أعلنت أن النص ليس كيانا مستقلا، وأن الكاتب لا يبدأ من صفحة بيضاء، بل يكتب دائما في حوار مع نصوص سبقته. فكل نص، بحسب عبارتها الشهيرة، "فسيفساء من الاقتباسات"، وكل كتابة هي امتصاص وتحويل لكتابات أخرى. ثم جاء جيرار جنيت ليمنح هذه الفكرة أفقا أوسع عبر مفهوم "المتعاليات النصية"، مؤكدا أن أي نص لا يعيش منفصلا عن شبكة العلاقات التي تربطه بالنصوص الأخرى.
لكن هذه التصورات جميعها كانت تقوم على افتراض واحد لم يكن أحد يناقشه آنذاك: أن الإنسان هو الفاعل الوحيد في إنتاج النص. واليوم، ومع ظهور الذكاء الاصطناعي التوليدي، لم يعد هذا الافتراض مسلما به.
   فالذكاء الاصطناعي لا يكتب لأنه عاش تجربة، أو امتلك ذاكرة شخصية، أو كوّن رؤية للعالم، وإنما لأنه تعلم من كميات هائلة من النصوص، ثم أصبح قادرا على إعادة تركيب الأنماط اللغوية والمعرفية التي اكتسبها لإنتاج نص جديد. وهنا تبرز مفارقة لافتة؛ فالآلة تمارس، في جوهر عملها، ما يشبه التناص بصورة أكثر وضوحا واتساعا مما يفعله الإنسان نفسه.
    غير أن الأمر لا يقتصر على هذا التشابه. فالكاتب البشري، مهما اتسعت ثقافته، يبقى أسير حدود ذاكرته الشخصية. يتناص مع ما قرأه، وما عاشه، وما تعلمه بلغته أو باللغات التي يعرفها. أما النموذج اللغوي فلا يتحرك داخل ذاكرة فردية، بل داخل ذاكرة معرفية عالمية تشكلت من نصوص تنتمي إلى لغات وثقافات متعددة. ولذلك فإن النص العربي مثلا الذي ينتجه الذكاء الاصطناعي لا يستدعي الأنماط العربية وحدها، بل قد يستفيد- على مستوى البنية أو الحجاج أو التنظيم- من أنماط تعلمها من الإنجليزية أو الصينية أو الإسبانية أو غيرها، دون أن يكون ذلك اقتباسا مباشرا أو ترجمة لنص بعينه. وهنا تكمن، في تقديري، النقلة الحقيقية التي لم تستوعبها نظرية التناص بطبيعة الحال قبل ظهور الذكاء الاصطناعي التوليدي.
    لقد كان التناص، في جوهره، قائما على ذاكرة إنسانية، أما اليوم فيقوم على ذاكرة خوارزمية متعددة اللغات. وهذا ليس فرقا في الحجم فقط، بل هو اختلاف في طبيعة العملية نفسها. فالإنسان يعيد توظيف ما وعاه وخبره، بينما تعيد الخوارزمية بناء المعرفة النصية عبر فضاء احتمالي واسع لا تحده لغة واحدة ولا ثقافة واحدة.
    ولعل هذا ما يدفعنا إلى اقتراح مفهوم جديد يمكن تسميته "التناص الخوارزمي"؛ أي ذلك النمط من إنتاج النصوص الذي تقوم فيه الخوارزمية بإعادة تنظيم المعرفة النصية العالمية لإنتاج خطاب جديد. إنه ليس إلغاء للتناص الذي عرفه النقد الحديث، بل امتداد له في بيئة معرفية مختلفة جذريا، وهنا يجب أن نشير إلى أن النص الذي ينتجه الذكاء الاصطناعي ليس نصا تكتبه الآلة وحدها، كما أنه ليس امتدادا مباشرا لكتابة الإنسان وحده، بل هو ثمرة تفاعل ثلاثي بين الإنسان، والأداة الذكية، والذاكرة المعرفية العالمية. فالإنسان يحدد القصد، ويصوغ السؤال، ويوجه مسار الحوار، ويختار بين البدائل، ويعيد الصياغة والتقويم، بينما تتولى الأداة الذكية تحليل الطلب واستثمار ما تعلمته من أنماط لغوية ومعرفية لتوليد استجابات محتملة، مستندة إلى ذاكرة معرفية واسعة تشكلت من التعرض لكميات هائلة من النصوص بلغات وثقافات متعددة. ومن ثم فإن النص النهائي لا يمثل صوت الآلة وحدها، ولا يعكس وعي المستخدم وحده، وإنما يتشكل داخل فضاء تفاعلي تتقاطع فيه إرادة الإنسان مع القدرة الحسابية للنموذج اللغوي، ومع الرصيد النصي العالمي الذي تشكلت عليه بنيته. ولهذا فإن فهم النصوص المولدة بالذكاء الاصطناعي لا يقتضي النظر إليها بوصفها نتاجا آليا خالصا، بل بوصفها نتاج شراكة معرفية جديدة، تتداخل فيها الخبرة الإنسانية مع الخوارزمية والذاكرة النصية، في واحدة من أكثر صور إنتاج المعرفة تعقيدا في العصر الرقمي.
    ويترتب على ذلك أن مهمة الناقد لم تعد كما كانت. ففي الماضي كان يسأل: بأي نص تأثر الكاتب؟ وأين يكمن ذلك التأثر أو الاقتباس أو التضمين أو التحويل؟ أما اليوم، فإن النصوص المولدة بالذكاء الاصطناعي لا يمكن ردها إلى مصدر واحد أو مجموعة محددة من المصادر، لأنها ثمرة تفاعل ملايين الأنماط اللغوية داخل نموذج واحد. ولهذا يصبح السؤال الأهم: كيف أعادت الخوارزمية تنظيم هذه الشبكة النصية لإنتاج نص جديد؟
    إن الذكاء الاصطناعي لم يلغِ فكرة الأصالة، كما يظن بعضهم، ولم يثبت أن الإبداع مجرد تجميع ميكانيكي للنصوص، كما يذهب آخرون، وإنما يكشف عن حقيقة ربما غابت طويلا عن النقاش النقدي قبل باختين وكريستيفا ومنظري التناص من بعدهما؛ وهي أن الكتابة الإنسانية نفسها كانت، منذ البداية، فعلا حواريا يقوم على إعادة بناء ما سبقها من نصوص. وما فعلته الآلة هو أنها جعلت هذه العملية أكثر ظهورا وشفافية واتساعا.
     ذلك، قد لا يكون السؤال الأهم في السنوات القادمة: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يكتب أدبا؟ بل ربما يكون السؤال الأهم: هل نحن بحاجة إلى إعادة كتابة نظرياتنا النقدية نفسها لكي تستوعب هذا الفاعل الجديد الذي دخل عالم النص؟
    بمعنى آخر، أن التحول لا يقف عند حدود تأليف النص وطبيعة إنتاجه، بل يمتد إلى الطرف الآخر من العملية الأدبية وهو الناقد؛ فإذا كان النص المولَّد بالذكاء الاصطناعي لم يعد نتاج ذات فردية، وإنما ثمرة تفاعل بين الإنسان والنموذج اللغوي وذاكرة معرفية عالمية متعددة اللغات والثقافات، فهل يستطيع ناقد فرد، مهما اتسعت ثقافته، أن يحيط بهذه الشبكة النصية الهائلة؟ إن النقد الأدبي، في صورته التقليدية، يقوم على افتراض ضمني مفاده أن الناقد قادر على استكشاف المرجعيات النصية والثقافية التي استند إليها المؤلف. أما اليوم، فإن النص قد يكون ثمرة أنماط تعبيرية متداخلة تنتمي إلى مئات التقاليد اللغوية والثقافية، بحيث يستحيل على ذاكرة بشرية منفردة الإحاطة بها جميعا. ومن هنا يبرز سؤال نقدي جديد: هل نحن بحاجة إلى الانتقال من مفهوم الناقد الفرد إلى مفهوم الناقد الشبكي؟ أي ناقد يستعين، كما يستعين المؤلف، بالأدوات الذكية وقواعد البيانات والمعارف العابرة للغات والثقافات، ليتمكن من تفكيك الشبكات النصية التي يتكون منها النص وتحليلها. فكما لم يعد المؤلف في عصر الذكاء الاصطناعي ذاتا فردية ، قد لا يبقى الناقد هو الآخر ذاتا مستقلة مكتفية بذاكرتها الخاصة، بل سيغدو جزءا من منظومة معرفية تشاركية تتكامل فيها خبرة الإنسان مع قدرات الذكاء الاصطناعي. وعندئذ لن يكون مستقبل النقد الأدبي رهينا باستبدال الآلة بالناقد، وإنما سنكون أمام ولادة نموذج جديد من الممارسة النقدية، يكون فيه الإنسان هو العقل المؤول والحاكم، بينما تصبح الأدوات الذكية شريكا معرفيا يكشف العلاقات النصية الخفية التي تعجز الذاكرة الفردية عن استيعابها كاملة.
     بل إنني أرى أننا سنكون أمام ما يمكن أن نسميه "الناقد الشبكي" في مقابل "المؤلف الشبكي". وهو ناقد لا يتخلى عن وظيفته التأويلية، لكنه يوسع أفقها بالاستعانة بذاكرة معرفية عالمية، تماما كما أصبح المؤلف نفسه ينتج نصه داخل شبكة معرفية تتجاوز حدود ذاكرته الفردية. وهذا، في تقديري، يمثل تحولا في نظرية النقد. فمستقبله لن يكون في البحث عن المؤلف وحده، ولا عن النص وحده، بل عن الشبكات المعرفية التي تتولد منها النصوص، سواء أكانت هذه الشبكات كامنة في ذاكرة الإنسان أم في الذاكرة الخوارزمية. وعندئذ لن تبدو نظرية التناص حينها نظرية تنتمي إلى الماضي، بل قد تصبح أكثر النظريات النقدية قدرة على تفسير أدب المستقبل. 

مبخوت العزي- بكين
أغسطس- 2026

Share this article

About the Author

Mabkhoot Alezzi

Mabkhoot Alezzi

Related Articles

arabic first course
Arabic Learning Tips

What Should I Learn During My First Month of Arabic?

4 min Read
Vocabulary Building

How GoArabic.net Turns New Arabic Words into Lasting Vocabulary

9 min Read
Culture & Traditions

من صنعاء إلى بكين: عشرين عاما أُعَلِّم العربية للناطقين بغيرها وأتعلَّم منهم

1 min Read

Ready to Start Learning Arabic?

Join thousands of learners mastering Arabic with our comprehensive courses