هل أعاد الذكاء الاصطناعي إحياء نظرية التناص؟
يبحث المقال في أثر الذكاء الاصطناعي التوليدي في نظرية التناص، ويقترح مفاهيم جديدة مثل «التناص الخوارزمي»، و«المؤلف الشبكي»، و«الناقد الشبكي». كما يناقش انتقال إنتاج النص وتحليله من الذاكرة الفردية إلى فضاء معرفي تفاعلي يجمع الإنسان والخوارزمية والذاكرة النصية العالمية، داعيًا إلى تجديد النظريات النقدية لاستيعاب هذا التحول
على مستوى النقد يفرض علينا إعادة النظر في واحدة من أهم النظريات التي عرفها النقد الأدبي في القرن العشرين، وهي نظرية التناص.
فالذكاء الاصطناعي لا يكتب لأنه عاش تجربة، أو امتلك ذاكرة شخصية، أو كوّن رؤية للعالم، وإنما لأنه تعلم من كميات هائلة من النصوص، ثم أصبح قادرا على إعادة تركيب الأنماط اللغوية والمعرفية التي اكتسبها لإنتاج نص جديد. وهنا تبرز مفارقة لافتة؛ فالآلة تمارس، في جوهر عملها، ما يشبه التناص بصورة أكثر وضوحا واتساعا مما يفعله الإنسان نفسه.
غير أن الأمر لا يقتصر على هذا التشابه. فالكاتب البشري، مهما اتسعت ثقافته، يبقى أسير حدود ذاكرته الشخصية. يتناص مع ما قرأه، وما عاشه، وما تعلمه بلغته أو باللغات التي يعرفها. أما النموذج اللغوي فلا يتحرك داخل ذاكرة فردية، بل داخل ذاكرة معرفية عالمية تشكلت من نصوص تنتمي إلى لغات وثقافات متعددة. ولذلك فإن النص العربي مثلا الذي ينتجه الذكاء الاصطناعي لا يستدعي الأنماط العربية وحدها، بل قد يستفيد- على مستوى البنية أو الحجاج أو التنظيم- من أنماط تعلمها من الإنجليزية أو الصينية أو الإسبانية أو غيرها، دون أن يكون ذلك اقتباسا مباشرا أو ترجمة لنص بعينه. وهنا تكمن، في تقديري، النقلة الحقيقية التي لم تستوعبها نظرية التناص بطبيعة الحال قبل ظهور الذكاء الاصطناعي التوليدي.
لقد كان التناص، في جوهره، قائما على ذاكرة إنسانية، أما اليوم فيقوم على ذاكرة خوارزمية متعددة اللغات. وهذا ليس فرقا في الحجم فقط، بل هو اختلاف في طبيعة العملية نفسها. فالإنسان يعيد توظيف ما وعاه وخبره، بينما تعيد الخوارزمية بناء المعرفة النصية عبر فضاء احتمالي واسع لا تحده لغة واحدة ولا ثقافة واحدة.
ولعل هذا ما يدفعنا إلى اقتراح مفهوم جديد يمكن تسميته "التناص الخوارزمي"؛ أي ذلك النمط من إنتاج النصوص الذي تقوم فيه الخوارزمية بإعادة تنظيم المعرفة النصية العالمية لإنتاج خطاب جديد. إنه ليس إلغاء للتناص الذي عرفه النقد الحديث، بل امتداد له في بيئة معرفية مختلفة جذريا، وهنا يجب أن نشير إلى أن النص الذي ينتجه الذكاء الاصطناعي ليس نصا تكتبه الآلة وحدها، كما أنه ليس امتدادا مباشرا لكتابة الإنسان وحده، بل هو ثمرة تفاعل ثلاثي بين الإنسان، والأداة الذكية، والذاكرة المعرفية العالمية. فالإنسان يحدد القصد، ويصوغ السؤال، ويوجه مسار الحوار، ويختار بين البدائل، ويعيد الصياغة والتقويم، بينما تتولى الأداة الذكية تحليل الطلب واستثمار ما تعلمته من أنماط لغوية ومعرفية لتوليد استجابات محتملة، مستندة إلى ذاكرة معرفية واسعة تشكلت من التعرض لكميات هائلة من النصوص بلغات وثقافات متعددة. ومن ثم فإن النص النهائي لا يمثل صوت الآلة وحدها، ولا يعكس وعي المستخدم وحده، وإنما يتشكل داخل فضاء تفاعلي تتقاطع فيه إرادة الإنسان مع القدرة الحسابية للنموذج اللغوي، ومع الرصيد النصي العالمي الذي تشكلت عليه بنيته. ولهذا فإن فهم النصوص المولدة بالذكاء الاصطناعي لا يقتضي النظر إليها بوصفها نتاجا آليا خالصا، بل بوصفها نتاج شراكة معرفية جديدة، تتداخل فيها الخبرة الإنسانية مع الخوارزمية والذاكرة النصية، في واحدة من أكثر صور إنتاج المعرفة تعقيدا في العصر الرقمي.
ويترتب على ذلك أن مهمة الناقد لم تعد كما كانت. ففي الماضي كان يسأل: بأي نص تأثر الكاتب؟ وأين يكمن ذلك التأثر أو الاقتباس أو التضمين أو التحويل؟ أما اليوم، فإن النصوص المولدة بالذكاء الاصطناعي لا يمكن ردها إلى مصدر واحد أو مجموعة محددة من المصادر، لأنها ثمرة تفاعل ملايين الأنماط اللغوية داخل نموذج واحد. ولهذا يصبح السؤال الأهم: كيف أعادت الخوارزمية تنظيم هذه الشبكة النصية لإنتاج نص جديد؟
إن الذكاء الاصطناعي لم يلغِ فكرة الأصالة، كما يظن بعضهم، ولم يثبت أن الإبداع مجرد تجميع ميكانيكي للنصوص، كما يذهب آخرون، وإنما يكشف عن حقيقة ربما غابت طويلا عن النقاش النقدي قبل باختين وكريستيفا ومنظري التناص من بعدهما؛ وهي أن الكتابة الإنسانية نفسها كانت، منذ البداية، فعلا حواريا يقوم على إعادة بناء ما سبقها من نصوص. وما فعلته الآلة هو أنها جعلت هذه العملية أكثر ظهورا وشفافية واتساعا.
ذلك، قد لا يكون السؤال الأهم في السنوات القادمة: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يكتب أدبا؟ بل ربما يكون السؤال الأهم: هل نحن بحاجة إلى إعادة كتابة نظرياتنا النقدية نفسها لكي تستوعب هذا الفاعل الجديد الذي دخل عالم النص؟
بل إنني أرى أننا سنكون أمام ما يمكن أن نسميه "الناقد الشبكي" في مقابل "المؤلف الشبكي". وهو ناقد لا يتخلى عن وظيفته التأويلية، لكنه يوسع أفقها بالاستعانة بذاكرة معرفية عالمية، تماما كما أصبح المؤلف نفسه ينتج نصه داخل شبكة معرفية تتجاوز حدود ذاكرته الفردية. وهذا، في تقديري، يمثل تحولا في نظرية النقد. فمستقبله لن يكون في البحث عن المؤلف وحده، ولا عن النص وحده، بل عن الشبكات المعرفية التي تتولد منها النصوص، سواء أكانت هذه الشبكات كامنة في ذاكرة الإنسان أم في الذاكرة الخوارزمية. وعندئذ لن تبدو نظرية التناص حينها نظرية تنتمي إلى الماضي، بل قد تصبح أكثر النظريات النقدية قدرة على تفسير أدب المستقبل.
About the Author
Mabkhoot Alezzi
I am a Yemeni academic and Arabic language specialist with a PhD in Modern Arabic Literature and Literary Criticism. I have over 20 years of experience teaching Arabic to non-native speakers, including extensive experience teaching Arabic in Yemen and China. Since 2014, I have been teaching Arabic at universities in China, currently at Beijing International Studies University. My academic and professional interests include Arabic language and literature, teaching Arabic as a foreign language, intercultural communication, and modern literary criticism. I am passionate about helping learners develop effective Arabic language skills while gaining a deeper understanding of Arab culture and literature.