Skip to main content

من صنعاء إلى بكين: عشرين عاما أُعَلِّم العربية للناطقين بغيرها وأتعلَّم منهم

Mabkhoot Alezzi
Mabkhoot Alezzi
Author

حين أقول عشرين عاما، يبدو الرقم بسيطا، كأنه سطر عابر في سيرة ذاتية. لكنني حين أعود بذاكرتي إلى الوراء، لا أرى عشرين عاما فحسب، بل أرى وجوها ومواقف ومناسبات؛ أرى طلابا عبروا حياتي وترك كل واحد منهم في ذاكرتي شيئا من ملامحه وصوته وبلده وذكرياته. أرى قاعات تدريس، وكتبا وسبورات، ومطارات وحقائب سفر، ومقاهي ومجالس أدبية، وأعيادا مرّت بعيدا عن الوطن، وصداقات وُلدت على ضفاف لغات وثقافات مختلفة.

لهذا، لا أستطيع أن أختصر هذه السنوات في كلمة "تدريس". بدأتُ معلّما، ثم اكتشفت، شيئا فشيئا، أنني كنت أتعلم بقدر ما أعلّم. صرتُ معلّما ومتعلّما، ومؤلفا ومصمما للمواد التعليمية، ومسافرا بين ثقافتين، وشاهدا على رحلة طويلة تغيّرت فيها أدوات تعليم اللغة؛ من السبورة والطبشور، إلى الشاشة الذكية، ومن الكتاب الورقي إلى العالم الرقمي، وصولا إلى الذكاء الاصطناعي.

لكن التحول النوعي لم يكن في الأدوات، بل في نظرتي إلى التعليم نفسه. فقد علمتني السنوات أن العربية لا تنتقل من كتاب إلى طالب فحسب، بل تعبر من إنسان إلى إنسان. وأن تعليمها للناطقين بغيرها ليس تلقينا لمفردات وقواعد، بل لقاء تتجاور فيه اللغة والثقافة، والمعرفة والتجربة، والتعليم والإنسان. ولذلك، لم يعد يكفيني أن أقرأ المنهج الذي أدرسه؛ بل صار لزاما عليّ أن أقرأ الطالب أيضا، وأن أفهم بيئته، وأن أبحث عن الطريق الذي يجعل العربية لغة يعيشها، لا لغة يدرسها فحسب.

l     من جامعة صنعاء إلى أول درس
    تخرجت في جامعة صنعاء عام 2005، وكان الحماس يومها أكبر من الخبرة، والطموح أوسع من المعرفة. كانت البداية في مدرسة أهلية بصنعاء، حيث قضيت عاما أدرس اللغة العربية لطلاب المرحلة الإعدادية. وهناك تعلمت أول دروس المهنة؛ أن المعلم لا يدرّس الكتاب وحده، بل يدرّس نفسه أيضا؛ يتعلم الصبر، وحسن الإصغاء، وفهم الفروق بين الطلاب، ويكتشف أن المعلومة التي تبدو بسيطة للمعلم قد تكون تحديا أو حجر عثرة بالنسبة إلى الطالب.

لكن الطريق أخذني سريعا إلى مجال لم أكن أعرف يومها أنه سيصبح مجال حياتي. ففي عام 2006 التحقت بمركز تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها (CALES) التابع لجامعة العلوم والتكنولوجيا بصنعاء، بعد اجتياز امتحان القبول، وكان أحد المراكز القليلة المتخصصة في هذا المجال آنذاك.

وهناك بدأت التجربة الحقيقية. فلن أنسى أول طالبة درستها. كانت سيدة نمساوية متقدمة في السن، بينما كنت أنا في بداية الطريق. دخلت الحصة الأولى بشيء من الرهبة؛ كيف يمكن لمعلم شاب أن يعلّم العربية لشخص جاء من بيئة بعيدة كل البعد عن بيئته وكبير في السن؟ لكن الرهبة لم تدم طويلا. فقد اكتشفت منذ الدرس الأول أن التعليم لا يبدأ بالقواعد، وإنما يبدأ بالإنسان. يبدأ بأن يشعر الطالب بالأمان، وأن يثق بمعلمه، وأن يدرك أن الخطأ في تعلم اللغة ليس عيبا، بل خطوة ضرورية نحو إتقانها. ومع الأيام، لم تعد تلك السيدة الكبيرة في السن مجرد طالبة، بل نشأت بيننا علاقة إنسانية جميلة بقي أثرها في ذاكرتي. ومن هنا بدأت تتشكل رؤيتي الأولى في تعليم العربية للناطقين بغيرها، جوهرها قبل أن تعلّم الطالب اللغة، عليك أن تفتح له بابا إليها.

l     حين كان الصف غرفة صغيرة
    كان نمط التعليم الذي عشته في صنعاء بداية الأمر مختلفا عن كثير من البيئات الجامعية التي عرفتها لاحقا. كانت الدروس غالبا فردية، بين معلم وطالب، أو في مجموعات صغيرة من ثلاثة طلاب أو أربعة أو خمسة على الأكثر. وهذا العدد المحدود جعل العلاقة بين المعلم والمتعلم أكثر قربا، وأعطى الحصة طابعا إنسانيا لا تسمح به دائما القاعات الكبيرة. لكن الأهم أن الدرس لم يكن ينتهي بانتهاء وقت الحصة. كان المجتمع اليمني نفسه جزءا من العملية التعليمية.

كنا نذهب لتناول الطعام، أو نجلس في المقاهي، أو نزور الأصدقاء، أو نمشي في أسواق صنعاء القديمة، أو نحضر بعض المجالس. وكان الطالب يرى العربية وهي تتحرك أمامه في الحياة اليومية: في حديث البائع، وفي سؤال الناس، وفي المزاح، وفي اختلاف اللهجات.

ولأنني كنت مهتما بالأدب، كنت أحرص على حضور المجالس الأدبية التي كانت تجمع عددا من المثقفين والأدباء في صنعاء مثل مجلس مؤسسة الإبداع كل يوم سبت ومجلس الدكتور عبد العزيز المقالح كل يوم ثلاثاء، وكان بعض طلابي يحبون مرافقتي إليها. وكل هذه الأنشطة جعلتني أدرك معنى آخر من معاني تعليم اللغة، جوهره أن البيئة الناطقة باللغة قد تكون كتابا مفتوحا لا يقل أهمية عن الكتاب المدرسي؛ فالطالب الذي يتعلم العربية في بلد عربي لا يتعلمها فقط في حجرة الدرس ولا يتعلم كلمات وجملا وتراكيب وقواعد، وإنما يسمعها في الشارع، ويرى استعمالاتها، ويختبر قدرتها على التواصل الحقيقي. ولهذا فإن المعلم في بيئة اللغة ليس مطلوبا منه أن يشرح اللغة فقط، بل أن يساعد الطالب على اكتشاف البيئة التي تعيش فيها اللغة.

l     أنا والعالم في صنعاء
    ما يميز تجربة تعليمي للعربية في اليمن أنه مر بي خلال تلك السنوات طلاب من جنسيات متعددة. بدأت الرحلة بطالبة نمساوية فطالب ألماني، ثم توالت الجنسيات الأوروبية والأمريكية والآسيوية والأفريقية حتى صرت لا أستطيع حصر جنسيات الطلاب الذين درستهم. كنت أجد أمامي في اليوم نفسه اختلافا في اللغات الأم، وفي الخلفيات الثقافية، وفي طرائق التفكير، وفي أهداف التعلم.

وهنا تعلمت أن عبارة "تعليم العربية للناطقين بغيرها" تخفي وراءها عالما واسعا من الاختلاف. فليس الطالب الأوروبي كالطالب الآسيوي، وليس الطالب الذي يتعلم العربية لأسباب أكاديمية كالذي يتعلمها لأغراض خاصة، وليس الطالب الذي يعيش في بلد عربي كالذي يتعلمها في بلد لا يسمع فيه العربية إلا داخل قاعة الدرس. ولهذا لا أؤمن بوجود طريقة واحدة تصلح لكل المتعلمين ولا منهج واحد. لقد تعلمت أن المنهج الجيد هو الذي يستطيع أن يتكيف، والمعلم الجيد هو الذي يعرف متى يستخدم الطريقة، ومتى يغيّرها.

l     اللغة واحدة.. لكن بيئات تعلمها وتعليمها مختلفة
    هذه القناعة ازدادت رسوخا حين انتقلت تجربتي من اليمن إلى الصين. بدأت علاقتي بالطلبة الصينيين في اليمن، ثم قادتني ظروف الدراسة إلى الصين عام 2014، وهناك بدأت مرحلة أخرى من رحلتي. عملت في نينغشيا شمال غرب الصين ثماني سنوات، ثم انتقلت إلى بكين عام 2022 ، حيث أواصل عملي بجامعة الدراسات الدولية ببكين حتى اليوم.

كان الانتقال من اليمن إلى الصين أكثر من انتقال جغرافي؛ كان انتقالا من بيئة اللغة إلى بيئة أجنبية عن اللغة. ومن قاعة درس تضم طلابا أجانب من جنسيات متعددة ومعلم واحد محلي، إلى قاعات تدريس تضم طلابا محليين صينين من جنسية واحدة وأستاذا أجنبيا. في اليمن كان الطالب يستطيع أن يغادر قاعة الدرس فيجد العربية حوله. أما في الصين، فقد يغادر الطالب القاعة فلا يجد العربية في حياته اليومية إلا في كتاب، أو هاتف، أو منصة إلكترونية، أو حديث مع معلمه. وهذا الاختلاف يغيّر الكثير.

في البيئة العربية يمكن للمعلم أن يعتمد بدرجة أكبر على الاحتكاك الطبيعي باللغة، وأن يجعل الشارع والسوق والمقهى جزءا من الدرس. أما في البيئة الصينية، فعليه أن يصنع للغة حضورا داخل الصف وخارجه، وأن يوفر للطالب مواقف محاكاة وتواصل حقيقية، وأن يستثمر الوسائط الرقمية، والأنشطة الثقافية، والمحادثة، والمحتوى المرئي والمسموع، حتى لا تبقى العربية لغة كتاب فحسب. وهنا تغير دوري بوصفي معلما. لم يعد يكفي أن أشرح للطالب معنى الكلمة؛ كان عليّ أن أساعده على إيجاد مناسبة يستخدم فيها الكلمة. لم يعد يكفي أن أعلمه تركيبا نحويا؛ بل صار لزاما عليّ أن أخلق موقفا يحتاج فيه إلى هذا التركيب. ولم تعد الثقافة موضوعا جانبيا في الدرس؛ بل أصبحت جزءا من الكفاءة اللغوية نفسها. فالطالب لا يتعلم أن يقول شيئا فحسب، بل يتعلم متى يقوله، وكيف، ولمن، وما الذي قد يعنيه في ثقافة المتلقي. وهذا هو جوهر التواصل بين الثقافات.

l     المعلم أمام صف واحد، وطلاب مختلفين.
    خلال عشرين عاما، درست مجموعات صغيرة جدا، ودرست طلابا في مجموعات من جنسيات متعددة، كما درست مجموعات يكون معظم طلابها من خلفية ثقافية ولغوية واحدة. وجنسيات أخرى، كل ذلك في اليمن. وفي الصين بالطبع درست مجموعات متعاقبة ومن جنسية واحدة. والخلاصة أن كل نوع من هذه الفصول يحتاج إلى معلم مختلف.

في الفصل متعدد الجنسيات، يصبح التنوع نفسه مادة تعليمية. يستطيع الطالب أن يكتشف كيف تختلف طريقة التعبير من ثقافة إلى أخرى، وكيف يمكن للكلمة نفسها أن تثير استجابات مختلفة لدى أشخاص ينتمون إلى ثقافات متعددة.

أما الفصل الذي يجمع طلابا من جنسية واحدة، فإن للمعلم فرصة أكبر لفهم خلفيتهم التعليمية واللغوية والثقافية، لكنه في الوقت نفسه قد يواجه تحديات مشتركة في النطق أو التفكير أو طرائق التعلم، فيحتاج إلى أن يبني أنشطته على هذه الخصائص دون أن يحوّلها إلى قوالب جامدة. وهنا تعلمت أن معرفة لغة الطالب وثقافته ليست أمرا ثانويا بالنسبة للمعلم، بل جزء مهم من كفاءته المهنية. فكلما عرف المعلم ما يحمله الطالب معه إلى الصف من لغته الأم وثقافته وتجربته التعليمية، استطاع أن يفهم أخطاءه بصورة أفضل، وأن يختار له الطريق الأقرب إلى التعلم.

l     المعلم الذي لا يتغير يتأخر
    خلال هذه الرحلة تغيرت المناهج، وتطورت النظريات، وتبدلت الوسائل التعليمية. بدأت بالسبورة والطبشور، ثم جاء الحاسوب، وأجهزة العرض، والوسائط المتعددة، والشاشة الذكية، والمنصات التعليمية، ثم الذكاء الاصطناعي. لكنني لم أرَ هذه التحولات يوما عائقا أو منافسا وبديلا للمعلم. فالوسيلة لا تصبح أداة تعليمية فاعلة إلا حين يحسن المعلم استخدامها. والذكاء الاصطناعي، مهما بلغت قدرته، لا يستطيع أن يحل محل المعلم الذي يعرف طلابه، ويرى ترددهم، ويلاحظ صمتهم، ويفهم ابتسامتهم، ويعرف متى يحتاج الطالب إلى شرح ومتى يحتاج إلى تشجيع.

لكن هذا لا يعني أن يبقى المعلم أسير أدوات الماضي. على العكس، أرى أن من واجب المعلم أن يواكب كل جديد، وأن يطور معارفه ومهاراته، وأن يتعلم باستمرار. فالمعلم الذي توقف عن التعلم قد يظل قادرا على أداء الدرس، لكنه يفقد تدريجيا قدرته على مواكبة طلابه وعصرهم.

لقد أصبحت كفاءة معلم العربية للناطقين بغيرها اليوم أوسع من معرفة اللغة وطرائق تدريسها. إنه يحتاج إلى كفاءة لغوية وتربوية وثقافية ورقمية، وإلى قدرة على تصميم المواد والأنشطة، وفهم الفروق الفردية، والتعامل مع التنوع الثقافي، والاستفادة الواعية من التقنيات الحديثة.

l     عشرون عاما من التكيف
    حين أنظر إلى السنوات العشرين، أكتشف أن أهم مهارة تعلمتها ليست طريقة تدريس بعينها، وإنما القدرة على التكيف. تكيفت مع طالب واحد، ومع مجموعة صغيرة. وتكيفت مع صف متعدد الجنسيات، ومع طلاب من خلفية ثقافية واحدة. وتكيفت مع التعليم في بيئة عربية، ثم مع التعليم في بيئة صينية. وتكيفت مع اختلاف الأعمار والدوافع والمستويات. وتكيفت مع الكتب الجديدة، والمناهج الجديدة، والتقنيات الجديدة. ثم جاءت جائحة كورونا لتضع التعليم كله أمام امتحان غير مسبوق، فانتقلنا إلى التعليم عن بُعد، واضطررنا إلى إعادة التفكير في معنى الصف، والحضور، والتفاعل، والواجب، والتقييم. والآن جاء الذكاء الاصطناعي ليطرح أسئلة جديدة لم تكن مطروحة قبل سنوات قليلة. وفي كل مرة كنت أعود إلى السؤال نفسه: كيف أجعل الوسيلة الجديدة في خدمة الهدف القديم؟

والهدف القديم هو أن يتعلم الطالب العربية، لا أن يتعلم استخدام التقنية لذاتها.

l     التأليف.. حين يصبح المعلم صانعا للمادة
    ولأن مزاولة التدريس تكشف للمعلم ما يحتاجه طلابه، وجدت نفسي منذ سنواتي الأولى في تعليم العربية للناطقين بغيرها أميل إلى تأليف المواد المساعدة أو المصاحبة.

ألفت مقررات في الثقافة اليمنية، والأدب، ولغة الإعلام، في مركز كالس أو معهد اليمن للغة العربية لتكون مكملة للكتب الأساسية التي يدرسها الطلاب.

ثم شاركت بين عامي 2010 و2014، وتحت مظلة معهد اليمن للغة العربية، في تأليف سلسلة (السلام عليكم في تعلم العربية وتعليمها للناطقين بغيرها) في تسعة أجزاء، وفق رؤية حديثة في تعليم اللغات الأجنبية، مع فريق عمل أحببته وأفتخر به وأشعر بسعادة كبيرة لأنني كنت عضوا فيه. كانت تجربة مختلفة؛ كنا نجتمع لساعات طويلة، ونراجع الدروس، ونبني السلسلة درسا بعد درس، وننفق من وقتنا وجهدنا ومواردنا الخاصة، مدفوعين بحلم نبيل أن نقدم شيئا يليق بتعليم العربية للناطقين بغيرها.

لم يكن التأليف بالنسبة إليَّ منفصلا عن التدريس؛ كان امتدادا له. فالكتاب الذي يخرج من الصف يعرف، في رأيي، أسئلة الطالب الحقيقية، ومواطن تعثره، وما الذي يجذبه وما الذي ينفره.

l     من طلابي كنت وما زلت أتعلم
    بعد عشرين عاما، لا أستطيع أن أحصي عدد الطلاب الذين مروا في حياتي، ولا أن أتذكر كل الأسماء والوجوه، لكنني أستطيع أن أقول إن كل واحد منهم ترك شيئا؛ علمني بعضهم الصبر، وبعضهم المرونة، وبعضهم أن الخطأ الذي يبدو مضحكا للمعلم قد يكون بالنسبة إلى الطالب لحظة شجاعة؛ لأنه حاول أن يتكلم. وعلمني آخرون أن اللغة لا تُقاس بعدد الكلمات التي يحفظها الطالب، بل بقدرته على أن يجعل تلك الكلمات جزءا من حياته. ومن طلابي فهمت أكثر كيف ينظر الآخرون إلى العربية، وما الذي يجذبهم إليها، وما الذي يصعب عليهم فيها، وكيف يمكن للمعلم أن يكون سفيرا للغة وثقافتها دون أن يحول الدرس إلى محاضرة في الثقافة.

l     بين صنعاء وبكين
    حين أفكر الآن في الطريق الممتد بين صنعاء وبكين، أرى أن المسافة بين المدينتين لم تكن جغرافية فقط. كانت مسافة بين بيئتين تعليميتين، وثقافتين، وتجربتين في الحياة. في صنعاء تعلمت كيف يمكن للبيئة أن تكون معلما. وفي الصين تعلمت كيف يمكن للمعلم أن يصنع بيئة للغة حين تغيب اللغة عن الشارع وعن حياة الطالب اليومية. في اليمن تعلمت أن الطالب يستطيع أن يكتسب العربية من الناس والحياة. وفي الصين تعلمت أن على المعلم أن يعيد خلق الحياة داخل الصف. وفي التجربتين معا تعلمت أن العربية واحدة، لكن طرق الوصول إليها متعددة.

l     عشرون عاما..  وما زال الطريق مفتوحا
    عشرون عاما مرت، لكنني لا أشعر أنني وصلت إلى نهاية الطريق. ففي التعليم لا توجد محطة أخيرة. كل دفعة جديدة من الطلاب بداية جديدة، وكل صف جديد تجربة جديدة، وكل منهج جديد سؤال جديد، وكل تقنية جديدة فرصة جديدة، وكل ثقافة جديدة نافذة أخرى على العالم. ولذلك فإن الاحتفاء بعشرين عاما لا يعني أنني أضع نقطة في نهاية الرحلة، بل أضع فاصلة. فما زلت أتعلم، وما زلت أجرب، وما زلت أغير وأطور وأعيد النظر. وما زلت أؤمن بأن أفضل معلم ليس الذي يملك الإجابات كلها، وإنما الذي يعرف كيف يبحث عنها، وكيف يتعلم، وكيف يصغي إلى طلابه، وكيف يجعل من كل تغير فرصة للتطور.

لقد أخذتني العربية من قاعات صنعاء الصغيرة إلى جامعات بكين، ومن طالبة نمساوية في بداية الطريق إلى أجيال من الطلاب الصينيين، ومن السبورة والطبشور إلى الشاشة الذكية والذكاء الاصطناعي. لكنها، في النهاية، لم تكن رحلة من مكان إلى مكان، بل كانت رحلة من إنسان إلى إنسان. وإذا كان لي أن أختصر عشرين عاما في فقرة قصيرة، فسأقول: لم أكن طوال هذه السنوات أعلّم العربية للناطقين بغيرها فحسب؛ بل كنت أتعلم، مع كل طالب وكل بلد وكل تجربة، كيف يمكن للغة أن تعبر الحدود، وكيف يمكن للمعلم أن يتغير دون أن يفقد رسالته، وكيف تستطيع كلمة واحدة أن تبني جسرا بين إنسان وإنسان وثقافة وثقافة ومجتمع ومجتمع.

وهكذا، بعد عشرين عاما، ما زلت أقف أمام السبورة، وإن تغير شكلها. وما زلت أفتح الكتاب، وإن لم يعد ورقيا دائما. وما زلت أشرح العربية، لكنني أدرك اليوم أكثر من أي وقت مضى أنني لا أشرح لغة فقط، وإنما أفتح نافذة.. وما وراء النافذة فضاء واسع وعالم كبير على الطالب اكتشافه بنفسه، وما المعلم إلا دليل وما توجيهاته إلا إشارات على الطريق.

مبخوت العزي - بكين
أغسطس - 2026

Share this article

About the Author

Mabkhoot Alezzi

Mabkhoot Alezzi

Related Articles

Study Resources

هل أعاد الذكاء الاصطناعي إحياء نظرية التناص؟

1 min Read
learn arabic vocabulary
Vocabulary Building

Memorising Arabic Vocabulary for Beginners

5 min Read

Ready to Start Learning Arabic?

Join thousands of learners mastering Arabic with our comprehensive courses